صندوق الدنيا

الدكتور أحمد عبد الدايم يكتب: «ثقافة واحدة ووجوه متعددة»

فى اعتقادى أن المصريين جميعا ثقافتهم واحدة، تكونت بتأثير نهر النيل فيهم، لكن وجوههم متعددة، تظهر فى لهجاتهم للعربية بطرق مختلفة، وديانتين، هما المسيحية والإسلام.

وفيهم النوبيين الذين يملكون لغة ولهجات خاصة بهم، فى ظل إجادتهم التامة للغة العربية، وفيهم البدو والمسيحيين والعرب.

قابلت فى مدينة قنا، وبين طلابها نماذج مختلفة من هؤلاء وأولئك.

جاءوا من أماكن شتى، كتشكيلة متنوعة من البشر وحدتهم مدينة قنا وساهمت فى تقاربهم ومزجهم سويا.

كانت قنا كالبوتقة التى صهرت الجميع وقربت هذا من ذاك، وجمعت الشامى على المغربى، فكونت خلطة جديدة قادرة على إدارة التنوع والاختلاف فى إطار ثقافة مصرية واحدة تجمع الجميع.

وقنا كإقليم بطبعه محافظ، ويسكنها العرب والهوارة والاشراف، وقليل من الحلب الذين يعيشون معظمهم فى مركز قوص.

أما أسوان، ففيها من النوبة فريقين: الكنوز والفديجة، تختلف سحنتهم عن بعضهم البعض تماما، ففيهم الأبيض من الكنوز ومنهم الأسمر الخفيف والأسود.

أما البحر الأحمر ففيها خليط مختلف من كافة أنحاء مصر بحكم العمل وطول الساحل، لكن غالبيتهم من محافظتى قنا وأسوان.

وأعتقد أن تجمع مثل هذا الخليط الشبابى فى مكان واحد، كان مهما ومطلوبا، يعمل على انصهار الجميع فى ثقافة واحدة، هى الثقافة الغالبة للمصريين، ولا يخرج عنها.

جاء اجتماعنا كطلاب من أنحاء شتى ليقدم لنا خدمة كبيرة فى التعرف على تلك الاختلافات والتعامل معها.

كنا ذهنيات متبايتة، فكان منا المنفتح على كل الثقافات، وكان منا المنغلق الذى يضيق بالآخرين.

وأعتقد أن هذا الانفتاح الذى حدث، ليس له علاقة بطبيعة اشخاص كل محافظة من المحافظات الثلاث.

فقد كان شباب أسوان والبحر الأحمر مفتحين عنا كقنائيين بحكم التنشئة.

فكانوا يسمعون جديد الأغانى ويفضلون الشباب أمثال محمد منير وعمرو دياب وغيرهم، فى حين كنا شباب قنا نميل إلى سماع أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ونجاة وغيرهم من المغنيين الكلاسيكيين.

لم يغب عن ذاكرتي تفاعل أحد زملائنا من أبناء النوبة مع محاضرة تتحدث عن الأسرة الخامسة والعشرين النوبية، وعن بيعنخى وطهرقا بالذات، كما لم يتفاعل مع أى محاضرة من قبل.

بل كانت عيونه تفيض بالدمع كلما يذكر هذين الاسمين.

كنت مندهشا من هذا الانفعال وأتساءل ما علاقة هذا الشاب بهذا التاريخ القديم ؟

اقتربت منه وشعرت بأنه يتعصب لتاريخ هذه الأسرة دون سواها، مشيرا بأنها تمثله على ما دونها من الأسر.

لم يعجبني هذا التعصب لفترة معينة دون سواها.

قلت له ألا يمثلك من التاريخ القديم كله إلا هذه الأسرة فقط؟

أليس هذا تاريخ مصر؟

فكان رده لا يختلف كثيرا عن رده السابق.

فشعرت لأول مرة بأن هذا أمر غريب، أليس هذا مصريا مثلنا فيعنيه تاريخ مصر كتاريخ وليس أكثر؟

سألت أحد أصدقائي الآخرين من الأسوانيين، فأجابنى بأن هذا الشاب متعصب، وأن هناك اختلاف بينهم كعرب وبين النوبيين.

هل نحن أمام أزمة هوية؟

أم أننى كقنائى لم أتعرض من قبل لهذه التباينات الثقافية، التى راعنى أمرها فى الجامعة؟

وهذا الأمر لا يتعلق بأبناء أسوان فقط، بل توجد اختلافات ذهنية كبيرة بين أبناء الاشراف والهوارة، وكل له تعصباته وتمايزاته المختلفة.

كنت من اشراف المواضى بحكم النسب، لكن صحبتي جميعها من هذا الخليط بشتى تنوعاته.

كنت فى قرارة نفسى استفيد من هذا التنوع، واعمل على فهمه والقراءة أكثر عن النوبة وثقافتها، وعن الصعيد الجنوبى بشكل واضح.

لا أعرف ما الذى يدفعنى للتعرف على هذا الخليط عبر الكتب أولا، وليس من خلال الواقع المفروض فى المدينة.

أعتقد أننى كنت محتاجا للتثقف قبل إدارة الحوار.

لهذا حرصت على أن تكون لى صداقات فى كل الاتجاهات ومع مختلف المشارب.

ومع كل ذلك التنوع الموجود، كان هناك شعور عام بالانتماء لهذا البلد.

كان النوبى والعربى والهوارى والمسيحي يشعر بأنه مصرى خالص، ويعشق تراب الوطن ويقدر خصوصياته.

ما هذا التنوع الذى يصب فى وحدة واحدة؟

أدركت واقعا، بأن مصر محفوظة بإذن ربها، وأن ثقافتها تجمع الوجوه المختلفة فى سلة واحدة.

كان يثيرنى أمر الفتاة المسيحية التى لا تقل حياء وحشمة عن الفتيات المسلمات إن لم تتفوق عليهن.

كانت تكلم الشباب وعينها فى الأرض، ولديها خجل البنت البتول كما يجب أن يكون.

كانت جميلة وأنيقة ومؤدبة جدا.

كانت فتيات الدفعة فى عمومهن من الصعيد الجوانى الأصيل المحافظ، الذى لا يخالط إلا بحساب.

وكان بينهن المتحررات القادمات من خارج قنا ولا يجدن حرجا فى الحديث مع أى زميل، أو تكوين صداقات مع زملائهن من الرجال.

وكنت فى عامى الأول والثانى قليل الحديث مع هذا الفريق أو ذاك. لكننى أصبحت متحررا فى السنتين الأخيرتين من الكلية.

وكان شباب الجامعة فى عمومه لا يشارك فى الحراك السياسى بشكل عام.

كان مبارك فى سنواته الأولى محبوبا من الجميع.

وأذكر أنه حينما زار قنا فى النصف الثانى من الثمانينيات، خرج الناس فى الشوارع ليشاهدوا موكبه ويلوحون له بالتحية والاحترام.

وملخص القول بأننا عشنا فى مدينة قنا شكلا مختلفا ومناقضا لثقافة الأماكن التى جئنا منها.

لقد صهرتنا قنا على عينها وسحرتنا بعبقها وجمالها.

فلها منا كل الحب، تلك المدينة الخالدة التى تدير الناس وتمزجهم بالصورة التى تريدها.

اظهر المزيد

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى