صندوق الدنيا

الدكتور أحمد عبد الدايم يكتب: «أنا والتاريخ.. في جامعة أسيوط»

فى جامعة أسيوط فرع قنا. حيث بدأت الدراسة فى قسم التاريخ بكلية الآداب عام 1986/1987 فى جامعة أسيوط، فرع قنا.

تلك الكلية التى بدأت عام 1976 بقنا كفرع تابع لجامعة أسيوط، ولم تنفصل عنها إلا بعد تخرجنا منها بخمس سنوات. لتصبح جامعة مستقلة تحت مسمى جامعة جنوب الوادي سنة 1995.

فقد تخرجت منها سنة 1990، وهذا يعنى أننى تخرجت من جامعة أسيوط ولم أحظ بهذا المسمى الجديد، وهذه الاستقلالية التى كنا نتمناها.

لم أسجل أى رغبة فى قسم داخل كلية الآداب، الذى كان عبارة عن ثلاثة أقسام، إلا قسم التاريخ، فقد كنت مميزا فى التاريخ وأحب دراسته.

وأذكر أنه طلب منى أكثر من مرة أن أذهب إلى شئون الطلاب لأسجل رغبتى الأخرى وكنت أرفض، خشية أن ينقلونى إلى ذلك القسم الجديد على غير رغبة منى.

درسنا فى البداية فى مبنى كبير وفخم فى بداية قنا جهة النيل خصص فيما بعد لكلية التربية فقط.

أعتقد انه كان يستخدم استراحة للأسرة المالكة حينما تنزل لقنا، أو يخص أحد أمرائها.

درسنا في هذا المبنى لمدة عام، وكنا نستمتع بحديقته الممتدة وملاعبه المتسعة.

وبالمقابل فقد سكنت المدينة الجامعية القريبة من الشئون، أى بعد مسجد سيدى عبدالرحيم، بأقل من كيلو متر.

وكنا نستغرب من المفارقة التى حدثت لنا، فحين درسنا فى هذا القصر لم نسكن كطلاب المدينة الجامعية المجاورة له وللمستشفى الأميرى. لكن حينما انتقلت كليتنا إلى قرب الصحراء بدلوا سكننا من مدينة سيدى عبدالرحيم إلى المدينة المجاورة لكلية التربية.

وكأنه رغبة فى تكديرنا وتعذيبنا.

 

فى الجامعة كانت انطلاقتنا، فإذا كنا فى المدرسة الثانوية قد جئنا من نواحي أرمنت المختلفة فوحدتنا سويا، إلا أن كلية الآداب قد جاءت بنا من كل نواحي محافظة قنا والمحافظات المجاورة، لتصهرنا فى بوتقة واحدة.

جمعتنا من كل مراكز قنا، الاثني عشر مركزا، ومن مراكز محافظة أسوان والبحر الأحمر، لتلقى بنا فى بقعة واحدة.

وأعتقد أن رحلتى السابقة من قرية إلى قرية، ومن القرية إلى المدينة، ثم من المدينة إلى المحافظة، ثم لنجتمع أبناء محافظات ثلاث سويا، لهى عطايا ربانية للتعلم والتجربة والانصهار.

استشعرت أنها بقعة نتعلم فيها حب الوطن عمليا، ونرضع فيها الانتماء لتراب طواعية وعلى كل المستويات، دون أن يختلط اللبن الحار مع اللبن الرائب دفعة واحدة.

وتعلمت من هذا التدرج، من القرية إلى المدينة إلى المحافظة ثم إلى العاصمة، القاهرة، فيما بعد، بأنه ييسر الانتماء ويرتب لك دوائر تحركاتك دون أن تستحوذ بك دائرة على حساب الأخرى.

فما زال حنيني إلى القرية غضا، وما زلت أعيش كابن للمدينة، وكواحد من نخبة العاصمة ومثقفيها.

وأعتقد أن التدرج الذى حدث لى فى حياتى كان ترتيبا ربانيا لأكون فرزا لثقافة متعددة الأوجه، لكنها معجونة بحب الوطن والرغبة فى رفعته.

درس لنا في كلية الآداب أساتذة أفاضل، لا زلت أكن لهم كل التقدير والاحترام.

فلا زلت أذكر المرحوم الدكتور كمال محمد حسن وأناقته وحسن هندامه، بالرغم من تعاليه على الطلاب وقسوته.

كان رحمه الله يقف فى منتصف القاعة، حينما نشتكى له طول الانتظار، ويعلن أن مثله مثل الوزير، ولا أحد يملك محاسبته، وأن علينا الانتظار، سواء حضر معاليه أم غاب.

وأنه كتلميذ لجلال يحيى لا يستطيع أحد أن يرغمه على شييء.

وأن أستاذه كان الأمر الناهى وهو يصدر الأوامر، وعلى الكل أن يسمع ويطيع.

على المستوى الشخصى كنت اتحمل غلظته فى التعامل معنا كدفعة، كونه لا يقرأ من كتاب أو يمسك بأى ورقة خلال الشرح.

أما د.صلاح أبوزيد، فكان طيب القلب ومأمون الجانب، لكنه يقرأ من المذكرة، ولا يقدم أى شرح لها.

وكان يقرأ لمدة ساعتين فنمل، ويخرج بعضنا إلى الخارج ويعود.

كان صعبا علينا الاستمرار فى هذا الكر فى الكلام، ونحن لا نفهم ما يقال.

لكننى على المستوى الشخصى، وباعتباره كان أمينا لمكتبة معهد البحوث والدراسات الإفريقية، وحصل على الدكتوراه من هذا المعهد، كان أول من رمى بذرة هذا التخصص بين عقولنا.

وإذا كانت كليات الآداب فى كل الجامعات المصرية تعطى هذا التخصص كمقرر دراسى طيلة سنوات دراستها الأربع، إلا أن الرجل قد درس لنا تاريخ إفريقيا فى عدة مقررات، فى الغرب والشمال والشرق وعلاقات مصرية إفريقية وتاريخ إفريقيا الحديث والمعاصر، فكان أول من وضع بذرة فى مجال التخصص الذى اخترته فيما بعد، وأمارس عملى فيه فى كلية الدراسات الإفريقية العليا جامعة القاهرة الآن.

أما الدكتور سيد طه أبوسديرة، فكان نعم الأستاذ والمربى الفاضل.

كان يحاضرنا فى التاريخ الإسلامى والوسيط مستشعرا أحداثه. حيث كان ملتزما لأقصى، وكان أبا لكل ابناء الدفعة ورفقائها.

وفيما يتعلق بالدكتور وفاء محمد على، أستاذ التاريخ الإسلامى بالكلية، فقد أبدع فى محاضراته، وتألق غاية الألق.

كان جهبذا فى تخصصه، وكانت كتبه التى ندرسها علامة فارقة فى حياتنا العلمية.

كان له منهج وخط علمى واضحين، لكنه كان متصابيا.بعض الشيء، كان كبيرا فى السن لكنه كان يكره أن يجلس له فى البنش الأول أى رجل، ومن يجلس منا يرجعه للخلف مرة اخرى.

وأحيانا كنا نجلس عمدا لاستفزازه وتبيان ردود أفعاله الكوميدية. مشيرا بأن الخناشير، أى نحن الرجال، مكانهم فى الخلف، وأى خنشور يضبط متلبسا سيلقى العقاب. يقولها بضحك وهزار، وكنا نتقبل كلامه بما لا يمكننا أن نتقبله من غيره. كان رجلا مراوغا ولديه حيل وتفانين وقفشات، ليس لها حل.

كان يصر أن تجلس بنات معينة من ذوات العيون الخضراء والزرقاء والوجوه المليحة أمامه، حتى تمضى المحاضرة كما يريدها أن تمضى. ومع ذلك كنا نشعر بأبوته وحنوه.

وكان يأتينا لتدريس مواد التاريخ القديم دكاترة من خارج جامعة أسيوط، فكان يدرس لنا يونانى ورومانى د.محمود إبراهيم السعدنى من المنيا وهو من القاهرة أصلا، وكان قادما لتوه من بعثة من اليونان، وكان عالما مبرزا فى مجاله وفى التعريف بأخباره وأسفاره، وكيف وصل لدرجته العلمية.

قد تكون تلك المسائل لا تعنى غالبية زملائنا، لكننى كنت أريده أن يستطرد فيها.

كنت أحاول أن استفيد من كل اساتذتى فى جوانبهم الايجابية، دون أن أركز على سلبياتهم أو اعلق عليها.

وكان ممن استفدت منهم هو الدكتور محمد أبوالفضل بدران الذى كان يعطينا كورس اللغة العربية.

كان شابا يافعا وقادما من ألمانيا لتوه. وكان شاعرا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

ورغم حداثة سنه إلا أنه كان مبرزا فى سماء إقليم الصعيد الثقافى كله.

كان يستدعى لنا كبار الشعراء والأدباء ليحدثونا فى مجالاتهم فى لقاءات دورية منتظمة.

قابلنا فيها الشعراء محمد إبراهيم أبوسنة وفاروق شوشة وعبدالستار سليم وكرم الأبنودي وغيرهم.

عرض لنا نماذج مختلفة من الشعر والنثر، رواية وقصة.

كان أول لقائى به غير جيد.

فقد غبت محاضرتين من محاضراته، فأرسل لى مع زملائي بأن يخبرونى بألا أحضر امتحان مادته بسبب الغياب.

لكن مجرد ذهابى له فى مكتبه ومعرفته بأننى كنت مريضا، سامحني على الفور ودعا لى بالشفاء والالتزام في الحضور.

فلم أتغيب أبدا عن محاضراته فيما بعد.

أحببته ليس لكونه يدرس لنا مقررا بطريقة جذابه فقط.

بل لأنه قدم لنا فكرا وأدبا ونقدا، وقرأ لنا أشعاره خلال المحاضرات.

خاصة حينما تحضر إحدى الشابات التى أشيع بيننا انها حبيبته.

وكانت كلما تأتى يكون متألقا للغاية.

ومع أن رحلته معها انقطعت سريعا فيما بعد، لزواجها من أحد جانات الجامعة الآخرين، وارتباطه هو بزميلتنا فى الدفعة، سميرة، بلدياته وأم أولاده، فيما بعد، إلا أن هذا لم يؤثر فى محبتنا للرجل واحترامنا له.

وكم أسعدني أن استاذنا قد أصبح قامة كبيرة من قامات مصر الأدبية فيما بعد، بل وترأس المجلس الأعلى للثقافة، ثم اصبح نائبا لرئيس جامعة جنوب الوادى.

هذا فضلا عن آخرين أمتعونا فى محاضراتهم أمثال د.عبدالمجيد فودة، الذى حببنا فى الجغرافيا، خصوصا الجغرافيا السياسية.

وكذا الأستاذة وفاء والدكتور فريدى فى اللغة الانجليزية.

وكان للدكتور فريدى مساهمات كما قيل فى معامل أنيس عبيد.

وكان فى كل مرة يأتى لنا بمذكرة فى اللغة الإنجليزية. إحداها أساسية، والباقى شروحا وتلخيصات.

كان يأخذ الجامعة بكل دفعاتها وطلابها من اداب وعلوم وتربية.

ناهيك عن كليات جامعة المنيا.

كنا نشعر بأنه شكسبير أو همنجواى اللغة الانجليزية.

كل هؤلاء وغيرهم علمونا وأسهموا فى تشكيل وعينا، كل بقدره وقدرته.

فقد أثروا فينا فى نواحي عدة، تعليمية وثقافية وسياسية واجتماعية.

بعضها سيأتى ذكره فيما بعد، وبعضه نشكرهم عليه داعين الله عز وجل أن يجزيهم عنا خير الجزاء.

Facebook Comments Box

اظهر المزيد

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

يسعدنا مشاركاتك

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: