صندوق الدنيا

الدكتور أحمد عبد الدايم يكتب عن: «أول تجربة حب شبابية»

أول تجربة حب شبابية كانت حينما رجعنا إلى قريتنا الأم سنة 1985

لم نرجع لمنزلنا القديم فى الشارع الغربى من القرية، بل بنينا بيتا جديدا فى بحرى البلد.

كنت منشغلا بدراستى ولم أشغل نفسى أبدا بالحب أو بأى شيء آخر غير الدراسة.

لكن عودتى للقرية جاءت فى الوقت الخاطيء تماما، وكنت أود لو أنها تأخرت سنة واحدة عن موعدها.

نظرا لحاجتى للتفرغ أكثر للشهادة الثانوية، وبعيدا عن تشتت الذهن والانشغال بأمور أخرى.

فقد كان جو قرية الرياينة مثاليا تماما للمذاكرة والتفوق، ويشكل جوا انعزاليا أكثر، ولا مفر لى منه إلا القراءة والكتب.

كم تمنيت الرجوع لقريتى قبلها، لكنى عدت فى اللحظة الخطأ، وهى سنة تحديد مستقبلي فى الثانوية العامة فى السنة التالية سنة 1986.

ومع الجو العائلى الجديد ودخول المهنئين بالعودة وتعودى على الخروج من المنزل، ومشاركتى فى مناسبات اجتماعية أكبر ولعب كرة قدم، كل ذلك وغيره أدى فى النهاية إلى حصولى على 73% وبالتالى قررت دخول كلية الآداب.

لم أكن أتوقع أبدا أن تضيع منى كلية السياسة والاقتصاد بسهولة هكذا بتهاونى وعدم تقديرى للموقف، والثقة الزائدة عن الحد فى نفسى وقدراتى.

من بين صفوف المهنئين بنجاحى فى الثانوية ظهرت فتاة صغيرة طويلة وممشوقة القوام وبيضاء مخملية..

فاهها كالخاتم، وعنقها كإبريق الفضة، وساقيها كجمارة نخل.

وقفت تمد يدها بحياء، ونطقت: «مبروك يا أستاذ أحمد».

فالتقطت ريقى فورا، ورددت: «شكرا عقبالك يا….. »

ضحكت خطفا فأبانت أعجابا، وصكت وجها فى اللحظة والتو.

تراقب نظرات والدتها فتخشى لوما وتأنيبا على هذا الذى ضحكت له.

اعرفها اسما لا شكلا، وأعرفها مبنا لا معنى.

لم اتنبه يوما لغرام يسكن قربى، أو لعيون تنظر ودى.

فى تقديرى ما زالت طفلة فمتى كبرت؟

وما زالت لحما غضا فمتى شحمت؟

أمعقول ألا ألحظها إلا هذا اليوم؟

أسئلة كثيرة طرحتها فى نظرة وسلام، وإجابات تطلب همسا وكلام.

من هذه التى طلعت لي فى البخت؟

فى اليوم الثانى ألقت عيونها سلام فوثقت ما كان بالأمس…

أعطت شقيقتها الصغرى قبلة فنطقت بهيام.

سؤال راودنى فورا: هل هذه القبلة رسول غرام؟ أم لا تدرى شيئا من هذا؟

شاورت لها بيدى فردت تلويحا خجلى.

وخطت خطوات مقتربة نحوى لكن سرعان ما رجعت.

ركزت كثيرا فى نظرتها، وحللت طويلا: ما هذا الذى يحدث لى؟

هكذا بدأت قصة حبى فى برهة، وما أغرب من بدايتها الحلوة، وما أصعب من نهايتها المرة.

كانت فتاة تشبه فاكهة مصنوعة كوكتيل، ولا أدرى بها.

متى جمعت هذا الدلال والجمال والحلاوة؟

كانت تعرف مواعيدى فى المرور أمام منزلها يوميا، فتضبط خروجها أمام الباب لأى سبب.

كانت تنتظر عودتى من السهر ليلا ولا تنام إلا مع سماع صوت قدمى يدب فى الشارع.

وحينها تطفيء الأنوار وتذهب للنوم.

يا إلهى ما هذا الذى يحدث من تلك الفتاة التى تختبر الحب بتلك الطريقة البديعة؟

وتختلق الأعذار لكى ترانى بتلك الطريقة البريئة؟

كنت اتأخر عمدا لأرقب ما يجرى منها.

كنت اختبر حبا ينمو على مهل، وجنينا يتشكل خطوة خطوة.

أرتنى كل شيء يريده الحبيب، وأخفت عنى كل شئ ينتظره العاشق.

لمحت لها من بعيد فنطقت بنعم على استحياء، وجسمها يرتعش.

كلمتها ببعض مفردات الحب فخجلت منى وابتعدت.

توثق كلام العيون بيننا طويلا، ونطقت المشاعر طيلة الصيف والاجازة.

تقدم لها أحد الخطاب فرفضت، وذكرت لى ذلك.

لم أفهم ماذا تقصد؟

هل تريد زواجا منى فى هذا السن؟

تركتها حائرة وذهبت لجامعتى، دون جواب أو أمل كاذب.

كنت مقبل على سنوات طويلة فى الدراسة، ولا أريد أن ابيع لها الأمل والأوهام.

وحينما عدت بعد شهر، كادت أن تبكى كمدا على هذه الفرقة.

عبرت نظراتها بكل الحب وبما تكنه لى من وحشة.

يا لهذه الفتاة من وجع.

تفاجئنى بعريس آخر يتقدم وهى ترفض كالعادة.

الست فى المدرسة وأمامك مستقبل مثلى.

اختصرت قولها فى كلام أبيها المحافظ فى وجوب الزواج والاكتفاء على ما تحصلت به من التعليم.

ماذا أفعل؟ لا أدرى؟

وكيف أفاتح والدي فى أمر الزواج، وأنا فى الصف الأول الجامعى.

غيرت الموضوع قائلا: متى بدأت مشاعرك نحوى؟

فوجئت بردها بأنها منذ لحظة عودتي للقرية.

حيث كان شباب كثيرون يتمنون الزواج بها، وهى عازفة عنهم.

وأنها كانت تتساءل: من هذا الذى لم يحاول أن يتقرب منها يوما.

وعلى حسب تعبيرها، كان هذا يضايقها ويستفزها، وهى بالأساس لم تكن فى حساباتى.

أو بالأحرى لم تكن لى أى حسابات فى مسألة الحب والزواج قد بدأت بعد.

كنت غرا على حد قولها، لا ألقى لها بالا، رغم أنها أهل للقربى والود.

كنت امشي وناظرى فى الأرض، وهى تشتعل غيظا من هذا الأحمق الذى لا يحاول وصلا أبدا، وهى أهل للوصال.

سألت: كيف لم تشعر بحبى طيلة عام ونصف العام؟

ولماذا تجاهلتنى طيلة هذه الفترة؟

أجبتها بأنني لم أحاول أن اتقرب منها أو من غيرها، فكنت مشغولا بالدراسة.

عادت لذات اللحظة الأولى قائلة: ماذا ستفعل فى موضوعى؟

لا وقت لى الآن، ولا قدرة مادية على الزواج، فهل لديك القدرة أن تنتظرينى أربع سنوات؟

انتظرك بشرط أن تفاتح أبى فى الخطبة.

وماذا أقول للرجل، وأنا فى هذا الوضع؟

حتما سيستخف بالموضوع ويرفض لكثرة العروض التى يتلقاها يوميا، فما الذى يجعله يؤجل كل تلك السنوات لشاب غير مضمون المستقبل؟

عدت للجامعة مرة أخرى محملا بمشاعر غضه، وقلب يغلى كالمرجل، ينبض بالحب تارة، ويشتعل من الجوى تارة أخرى.

وما كانت تقوله عيونها فى مرتها الأخيرة يصعب على الوصف والتعبير.

لقد كانت تبوح بما لا يستطيع لسانها التعبير عنه.

كانت مهذبة الحديث ولا تنطق إلا بما يليق بهذا الجمال.

كانت شاعرة فى الكلام دون أن تعرف دنيا الادب أو فنون اللغة.

كانت محصنة فى كل شيء يمكن أن يعيبها.

سحرتنى بكل جوانحى دون أن أدرى.

كنت أتعجل الرجوع لقريتى كى أراها وأتملى من عينيها الفاتنتين.

حركتنى ببراءتها وعفوية مشاعرها، واستحوذت على تفكيري.

عاشت معى فى دنيا الجامعة دون أن تراها يوما.

مشت معى فى شوارع مدينة قنا عبر أحلامي دون أن تذهب للمدينة يوما.

ما هذا الذى يحدث لى؟ لا أدرى.

رجعت للقرية يوما ووجدت الوالدة تفاتحنى فى موضوعها. فاندهشت من أمرى.

ألهذا الحد تفضحنى مشاعري، ولا أدرى؟

كانت أمى تستشعر حبا يتشكل داخلى، وتأكدت من والدتها.

فقد تحدثا سويا فى أمرنا، وعما إذا كان لدى أهلى القدرة على مفاتحة أبيها فى الزواج قبل أن يوافق على أى عرض من العروض؟ هكذا نطقت والدتها لوالدتي.

فماذا أفعل؟

وماذا يفعلون اذا كان الأمر يعرفه الجميع؟

يبدو أنها حكت لوالدتها عن مشاعرها، وأرادت، ككل النساء أن تختبر جديتى وأنا لا أعلم.

كان لا يزال الأمر حديثا نسائيا خالصا، لم يتحدث في شأنه الرجال، ولم يتحدثوا فيه من بعد أبدا.

فيبدوا أن ردود والدتي العادية بأن تفكير ابنهم فى الزواج لن يكون إلا بعد انتهائه من الجامعة، وانا لم أفوضها فى قول ذلك، قد جعلت والداتها تعطى الضوء الأخضر لأبيها فى امضاء أمر العريس المتقدم فى يوم وليلة.

فعلى نهاية عامى الجامعى الأول انتهت كل احلامي وتحطمت.

أعتقد أنها كانت أسوأ إجازة صيفية قد مرت على.

فما الذى حدث؟ لا أعرف.

وكيف حدث؟ لا أدرى.

ولماذا حبيبتى غاضبة منى ونافرة؟

وماذا حدث منى؟

انسحبت عنى رغم بقائها مرتبطة بى.

فقد كانت تنتظرني كل ليلة، ولا تنام إلا بعد أن أمر من الشارع، فتطفيء الأنوار ثم تنام.

انسحبت منى وقبلت بعريسها على مضض.

لكن للأسف اعتقدت أننى مرتبط بأخرى فى الجامعة، ولا وقت لدى فى الزواج.

أعتقد أنه قد قيل لها كلاما كثيرا حطم أحلامها نحوى، وأنا بريء منه، ولم أقله.

منعوها من الخروج أو فتح الشبابيك أو المضى قدما فى هذا الحب.

ضيقوا عليها من كل الجهات، فقبلت الزواج مرغمة.

أما أنا فعشت أسوأ سنين حياتى بعدها.

كنت كجرة الماء التى كسرت مرة واحدة.

كنت أشعر بأن جسدى قد تحجر فجأة، وأن كل وتر فيه، وكل عضل مستقل بذاته.

كانت هيئتها تتجلى فى مخيلتي كنجمة شديدة اللمعان فى ليل شديد العتمة.

كانت دموعي بين نفسى أحجبها عن الآخرين، حتى لا أبدى ضعفى وقلة حيلتى.

كنت أحاول أن أبكى لأبعد الهم عن روحى بالدموع.

لكن هيهات هيهات أن تجرى الدموع كما أريد…

كنت أشعر أن هؤلاء الذين يستطيعون البكاء، هم أسعد الناس حظا.

لكن السؤال الذى ظل يشغلنى: متى أخرج من هذه الغابة المظلمة؟ وكيف أخرج؟

يا إلهى كيف أتعامل مع ليلة زواجها التى قربت.

كنت أشعر بالخطر على نفسى من هذا اليوم، فكيف اقضى فيه ليلتى وحبيبتي فى أحضان غيرى؟

وهل أستطيع أن أتحمل؟

اعتقد أن كل لحظة كانت تمر على كالجبل، وأن كل لحظة أصعب من سابقتها.

آه ما أصعب على الإنسان أن يشعر بأن الوقت لا يمر، وأن عقارب الساعة لا تتحرك، وأن ليل الرزيقات لا ينجلى، وأن صباحها ليس بأمثل منه.

كنت أسمع صوت الاستعدادات للفرح وكأنها صليل السيوف فوق رأسى، وأنا كحصان مذعور يفر منها على غير هدى.

ما قيمة الحياة بلا حبيبة؟

وما قيمة المرء إذا لم يستطع أن يدافع عن حبه؟

قررت أن أترك القرية فى هذه الليلة وأهرب مع أحزاني إلى المدينة.

فلملمت نفسى متواريا عن الأنظار.

واستشعرت أمى بقرارى وشجعتنى عليه، وأعتقد أنها كانت تبكى فى داخلها لأجلى.

بقيت فى المدينة طيلة النهار وحتى قرب الصباح، ولم أعد منها إلا مع آخر سيارة تعود للقرية.

قضيت طيلة نهاري وليلي أجلس فى أماكن مختلفة على شاطئ نيل المدينة كى أشكو له همومي واوجاعى.

وطرقت كل القهاوي كى أجد الأنيس فأكلمه، لكننى لم أنطق بكلمة واحدة لأحد.

صليت كل الصلوات فى مساجد مختلفة وطلبت الفرج.

عدت للمنزل فى أول صباح اليوم التالى للفرح والحزن مطبق بجناحيه على نفسى، ولم أخرج منه إلا بعد اسبوع.

يا إلهى كيف يتحول الألم النفسى إلى ألم عضوى فى لحظة؟

اعتقد أن هذا كان حلا ربانيا لأقضى أسبوعا كاملا فى النوم، ما بين الأوجاع البدنية والنفسية.

كنت أتحرى الأيام بعدها للعودة للجامعة.

وحينما فتحت أبوابها رحلت إليها كى ترحمنى من العذابات التى أعانيها.

ومن حسن حظى أن كلية الآداب نقلت نفسها إلى مبنى الجامعة الجديد فى الصحراء، على حدود مدينة قنا الشرقية.

كان تجديد المكان والكتب والمكتبة هم حلى الوحيد.

كنت أتعمد البعد عن كتب الأدب والشعر قاصدا، كى لا تعود لى الأوجاع التى ما ذهبت أصلا.

ركزت على الكتب التاريخية، وعلى كتب المذكرات والسير كى أجد السلوى بين الأحداث، وفى باطن الثورات والمعارك.

بدأت اتعافى شيئا فشيئا.

اظهر المزيد

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى