خارج الإطار

سوزان التميمي تكتب: جدلية الرسم والتهشير في إبداع التفاصيل.. قراءة في أعمال الفنان أسامة ناشد

يُعد الفنان “أسامة ناشد” أحد أبرز الفنانين المصريين الذين ينتمون إلى اتجاه الرسم بالحبر الأسود، مُحافظاً على هويته وراسماً مشاهد من الطبيعة المصرية، مستلهماً الجمال من تفاصيلها ومستخدماً دلالاتٍ بصرية من عناصرها في تكوين لوحاته.

يشهد الفنان خلال هذه المرحلة حالة من حالات الازدهار وحصاد الجهد بالتلقي والعرض لأعمال السنوات السبع السابقة والتي أمضاها في العمل الدؤوب، ففي ديسمبر 2021 أقام معرضه المُعنون بـ (طعم البيوت) بجاليري ضي، وفي فبراير 2022 كان معرضه (أماكن) بقاعة الباب بدار الأوبرا المصرية، وفيه عُني بحضور المكان مهتماً بتفاصيله وعَمد إلى غياب الإنسان أو بتعبيرٍ أدق حضور الأشخاص على استحياء كهياكل ظلية آدمية.. متجاوزاً بذلك عنصر الزمان ومؤكداً على ديمومة تلك المشاهد المكانية عبر كل الأوقات وواضعاً إياها كعنوان لرؤيته الخاصة عن البيئة المصرية الأصيلة.

تعد لوحاته بمثابة دراسة أنثروبولوجية لما يميز عناصر هذه الأماكن وسماتها البيئية المؤثرة في الإنسان المصري على اختلاف ثقافاته وخلفياته الاجتماعية، فمن منّا لم يتأثر بنهر النيل وما ارتبط به من تجمعاتٍ للمراكب الشراعية والأشجار الوارفة على ضفافه، ومن منّا لم يفتنه الريف ولم يسرح بناظريه مع المساحات الخضراء الشاسعة، حتى البيوت الطينية وأبراج الحمام، النخيل وسيقانه وسعفه وبلحه المتدلي الذي تحركه نسمات الهواء، كلها عناصر أحياها الفنان من ذاكرته البصرية واقتنص جمالها ووهبها من رومانسيته وأشبعها دراسة من شتى الزوايا ومع اختلاف ظروف الإضاءة المتباينة، بل واقتطع من كل منها وحداتٍ جمالية تكاد تقترب من التجريد بعد أن رسمها عدة مرات بلقطاتٍ بانورامية تتضافر فيها كل عناصر الإبهار الفني من حيث وحدة التكوين وترابطه وحرفية الرسم وإبراز كافة الاختلافات بين عنصري الضوء والظل.

إنه أحد أبناء جيل الوسط المتميزين في تاريخ الفن المصري المُعاصر فقد ولد عام 1962 وتخرج عام 1986 من قسم الجرافيك (الحفر) بكلية الفنون الجميلة، وحصل على منحة التفرغ منذ عام 2010 وحتى 2018 في مجال الرسم فرع الفنون التشكيلية من وزارة الثقافة المصرية.

أقام إثني عشر معرضاً خاصاً.. منهم ثلاث معارض بأتيليه القاهرة 1997، 2001، 2009 ومعرضين بمجمع الفنون بالزماك 2003، 2005، وثلاثة معارض بالقاعة المستديرة داخل نقابة الفنانين التشكيليين بدار الأوبرا المصرية 2010، 2012، 2013.

معرضين بقاعة الباب بمتحف الفن الحديث بدار الأوبرا في 2015 ومعرض “أماكن” في 2022، معرض بنادي هليوبوليس 2016 ومعرض “طعم البيوت” بقاعة (ضي) بالمهندسين 2021.

مسيرة زاخرة شارك فيها بالكثير والكثير من الفاعليات الفنية والمعارض الجماعية منذ تخرجه في الثمانينات وحتى الآن.. من أبرزها معرض بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشاء الأمم المتحدة في 1996 وحصل أثناءه على جائزة تصميم البوستر الخاص بالحَدث الفني، معرض لتصميم الشخصية الكرتونية للطفل بمركز الهناجر للفنون 1997، الصالونات السنوية لأتيليه القاهرة للأدباء والفنانين منذ عام 1998 وحتى 2005، كما شارك في المعرض التكريمي لصالون الشباب بمتحف الفنون الجميلة بالأسكندرية 1999 وبدورات الصالون الثالث عشر 2002، والرابع عشر 2003، والسابع عشر 2006، والثامن عشر 2007، الصالون السنوي لنادي الصيد وكذا نادي هليوبوليس في الفترة من 1999 وحتى 2005، وصالون القطع الصغيرة بمجمع الفنون بالزمالك من 1999حتى 2003، وتعددت المشاركات فتميزت أعماله في المركز الثقافي المصري الألماني 2001 ومحكى القلعة 2003 وصالون الفنون التشكيلية الأول بمكتبة المستقبل 2004 وفي نفس العام شارك بالصالون الأول للأبيض والأسود بمركز الجزيرة للفنون بالزمالك، ومعرض خاص بالجمعية الأهلية للفنون الجميلة ونقابة الفنون التشكيلية كما تم عرض أعماله في ملتقى رجال الأعمال العرب بمركز التجارة العالمي وبقاعة المؤتمرات في معرض (تنويعات) الذي أقيم موازياً للدورة الرياضية العربية في 2006، ومعرض المتفرغين بقاعة الباب 2012.

وفي ذكرى ثورة يناير الأولى شارك بقصر الفنون في معرض عبّر عن مردود الثورة على وجدان الفنان المصري 2012.

كما شارك في بعض المعارض الجماعية التي نظمتها بعض القاعات الخاصة المصرية فشارك بقاعة (بيكاسو) في 1998، وبقاعة (ديجا) بالأسكندرية 2001.

حصل على العديد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرته الفنية من بينها الجائزة الأولى لتصميم البوستر العام لترينالي مصر الثالث لفن الجرافيك عام 1997.

خلال مسيرته الطويلة استلهم موضوعه الأثير من نوستالجيا الذاكرة البصرية، مشاهده متماسة مع الطبيعة والريف المصري لكنها برؤية فنية غير متطابقة بشكلٍ كلاسيكي مستدرجاً المُتلقي للدخول إلى عالم من جماليات الكادرات الطبيعية الخالصة، غير معنيٍّ بما تحمله من تأويلات الاستقبال ولا تشغله الأنشطة الذهنية من إيحاءات تقتفي أثر نصٍ أدبي – كما يستهوي أغلب الرسامين والحفارين- فلم يجعل عتبة الدخول لعالمه الإبداعي من مدخلٍ واحد، بل جعل من كل تفصيلة عتبة في حد ذاتها تحمل العديد من التداعيات البصرية.

إن الجوهر الراسخ في التأمل لرسوم الفنان “أسامة ناشد” يقوم على دعامتين أصيلتين يشكلا معاً حواراً مرئيا تقودنا إليه تفاصيل اللوحة، أولهما توزيع العناصر ودقة تنسيقها داخل التكوين ففي بعض الأعمال تتزاحم الوحدات في المشهد الواحد وتتجاور لتبرز جمالية بصرية لا يجيدها الكثيرين فهي – سلاح ذو حدين- فله في جمالية الزحام أثر بالغ وناجح في الوصف واستدعاء التفاصيل من الذاكرة بحكيٍّ شيق وحوار بديع، وفي البعض الآخر اكتفى بالتركيز على وحدة واحدة وهبها البطولة المُطلقة في العمل الفني ليُظهر في نسيج خطي مغزول ملمسها وأدق ما يميزها. أما الدعامة الثانية فهي الدرجات الضوئية والظلية والتي اختارها لتكون ركيزة محورية لإظهار الأبعاد والملامس، فقد جعل من النور والإعتام فضاء درامياً لا شبيه له في الواقع، فعلى الرغم من كونه يرسم فضاءات ومشاهد مُتخيلة إلا أنه لم يقطع خطوط الاتصال المألوفة بطبيعة العناصر والوحدات بل أضفى عليها غلالة من الخيال الرائق لتكون لوحاته عن البيوت والريف والأشجار والنخيل والنيل والمراكب الشراعية مُستضافة فنياً من كوكب الأحلام حيث أنه اتخذ من مفردات المشاهد الطبيعية مفاعلاً للاستلهام منها.. مُحافظاً على نسبها وخصائصها كأساس لبحثه الجمالي عن حقيقتها وماهيتها بحس الفنان المصري الأصيل في استدراكه للحقيقة المثالية للطبيعة والأشياء، كما يبدو مازجاً هذا الحس مضيفاً إليه تأثره بأسلوب المذهب الانتقائي في التصوير الأوروبي الحديث ليواصل هوايته في ترتيب عناصر عالم من صنعه.

تميز الفنان باستخدامه لأقلام التحبير (الرابيدو جراف) بتقنية التهشير والتي هي بالأساس كلمة فرنسية ” Hachures ” وتعبر عن الخطوط المتوازية أو المتقاطعة في اتجاه واحد أو في اتجاهات مختلفة أو متقاطعة، وتكون بأقلام الحبر أو الرصاص شريطة ألا يظهر بداية الخط أو نهايته .تُعتبر تقنية التهشير أسلوب في آلية التظليل في الرسم وتبرز من خلالها تأثيرات التجسيم من خلال الظلال كما تعتمد على سمك الخط والمسافة بين الخطوط، كما من شأنها إظهار طبيعة المادة المرسومة وملمسها كمظهر الخشب أو المعدن  والقماش وحتى الطوب والحجارة أو الماء وهكذا.. أما في التظليل فكلما اقتربت الخطوط وزاد سمكها فهذا يعني وجود مساحة ظلية داكنة.. وكلما تباعدت الخطوط وقلَّت سماكتها كان العكس، وغالباً عند التظليل بأسلوب التهشير لا يدمج الخط بل يظل وحدة منفصلة داخل سياق التكوين التهشيري، هذا على خلاف المتعارف عليه في التظليل التصويري والذي يدمج فيه الفنان الدرجات الظلية بانسيابية لتجسيم العناصر المرسومة .

تُقسَّم أنواع خطوط التهشير المعنية بإظهار طبيعة المادة المرسومة إلى:

  • التهشير بخطوط بسيطة في اتجاه واحد أو اتجاهين .
  • التهشير بخطوط مركبة ومتضاربة .
  • التهشير بخطوط سريعة.

وقد استخدم الفنان الأنواع التهشيرية الثلاثة بحرفية شديدة وصبرٍ واضح، دقة في الخطوط واللمسات التلقائية لسن القلم حتى أنها في بعض اللوحات كانت تركض بتلقائية لتظهر الأشعة الساقطة على الأسطح المرسومة ببساطة مُحكمة تشي بدرجة من درجات الوعي والصحوة البصرية التي تسمح له بالتقاط الضوء المُباغت هنا ورصد الظلال التي تتكسر هناك، وفي هذا يقوم بدور صائد المصادفات الضوئية المباغتة ليقوم بتثبيت حالها داخل اللقطة.

لم يتعامل مع الضوء كما يتناوله التأثيريين من حيث وضعهم له كبطل للمشهد وأساس للعمل الفني.. ولكنه اقترب من هذا الاتجاه في تصوير الواقع مستوعباً خصائص اللقطة المنتقاة من حيث الإضاءة ومصدرها.

له مقتنيات لدى العديد من الأفراد بمصر والخارج ومقتنيات رسمية بمتحف الفن المصري الحديث ونادي هليوبوليس والهيئة العامة لقصور الثقافة.

اظهر المزيد

سوزان التميمي

فنانة وناقدة تشكيلية وناشرة مصرية - صاحبة ومديرة دار إيزيس للفنون والنشر - قامت بعمل العديد من المعارض التشكيلية الخاصة بمصر والخارج، وشاركت بأكثر من مائة معرض جماعي بجمهورية مصر العربية وخارجها. الدراسات: - بكاريوس كلية الفنون الجميلة، قسم جرافيك شعبة الرسوم المتحركة وفنون الكتاب. - دبلومة في النقد من أكاديمية الفنون بتقدير امتياز. - ماجستير في النقد التشكيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
« Browse the site in your preferred language »