دين ودنياسلايد شو

ما الحكم الشرعي في شراء الأوراق المالية بالهامش؟.. دار الإفتاء تجيب

انتشرت أسواق الأوراق المالية في هذا العصر انتشارًا كبيرًا بعد ازدياد الحاجة إليها باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية للاستثمار الحديث، وقد ساعد هذا الانتشار في ظهور أنواع جديدة من العقود، ومن هذه العقود شراء الأوراق المالية بالهامش أو ما يعرف بـ”المارجن” (Margin Trading)، والذي يتمُّ وفقَ أنظمةٍ وقواعدَ تحددها البورصة والهيئة العامَّة لسوق المال، عن طريق سدادِ العميلِ جزءًا من ثمن الأوراق المالية عند الشراء، وتأجيل سدادِ باقي الثمن، على أن تقومَ إحدى الشركات العاملة في مجال الوساطة في الأوراق المالية بتمويلِه وتدبير الأموال اللازمة لتسوية عملية الشراء في المواعيدِ المقرَّرة، ويتمُّ ذلك عن طريق اتفاقٍ بين العميل وشركة الوساطة العاملة في البورصة المصرية على حجم التمويل وفق جزءٍ من ثمن الأسهم التي يريد شراءها، وتحصلُ الشركة على كافَّة الضمانات من العميل كرهن سندات أو أسهم أخرى أو حسابات بنكية لأموال مملوكة له لضمان أموالها، مع توكيل العميلِ الشركةَ في تنفيذِ عمليات شراء الأسهم وبيعها باسمه ولصالحه وفي إدارة حساباته بيعًا وشراءً، ويكون هذا التوكيل في حدود الأوراق المالية المشتراة بالهامش أو المقدمة كضمان والمحفوظة لدى أمين الحفظ، حتى تضمن الشركة سداد قيمة أمواله، وبهذا يستطيع العميل مضاعفة حجم استثماراته في البورصة بمساعدة شركة الوساطة، وتَشترطُ الشركةُ على العميل ربحًا معينًا على إحدى طريقتين:

إما 2,5% عمولات بيع وشراء، أو 1,5% يدفعها العميل كلَّ شهر لشركة الوساطة حتى انتهاء المعاملة.

ويقوم العميل بفتْح حساب وتوفير مبلغ من المال بنسبة تصل إلى (50%) وتقوم شركة الوساطة المالية بتزويد العميل بباقي المبلغ عند طلبه لشراء أسهم، بحيث يشارك العميل مثلًا بتمويل (مارجن) (50%) ويقوم الوسيط المالي بدفع الباقي، وينتظر العميل الأسعار لتصبح في صالحه ربحًا، فيقوم ببيع الصفقة أو الصفقَات، وتوضع قيمة المعاملة في حسابه في البنك، ويقوم الوسيط المالي بتغطية العميل والاستمرار في التعامل ما دام في حسابه ما يغطي قيمة الخسائر، وإذا لم يكن هناك ما يغطي الخسائر يقوم الوسيط بموجب توكيله من العميل بإدارة حساباته وتنفيذ عمليات شراء وبيع الأسهم في حدود الأوراق المالية محل التمويل (المارجن) والأسهم والسندات المقدمة كضمان لدى أمين الحفظ، مع الملاحظة أن الوسيط لا يأخذ شيئًا من الأرباح في حالة الربح عند البيع، ولكن يأخذ عمولته فقط.

ويتضمن العقد المرفق أنَّ مُدَّته تكون ثلاثة أشهر، وتتجدَّد تلقائيًّا ما لم يُخْطِر أحدُ الأطراف الطرفَ الآخر بعدم رغبته في التجديد قبلَ انتهاءِ مدَّته بخمسة عشر يومًا، وبانتهائه يصبح رصيدُ المديونية المستحقة على العميل للطرف الأول (شركة الوساطة العاملة في البورصة) مستحقًّا واجبَ الأداء فورًا، كما يحقُّ للطرف الأول -في أي وقت يراه ودون إبداءِ أسبابٍ- إخطارُ العميل بإيقاف هذا العقد أو إلغائه أو إنهائه، ويترتب على ذلك مطالبةُ العميل بسدادِ كاملِ مديونيَّته من أصل وعمولات ومصاريف في خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ إخطاره، فضلًا عن أنه في حالة إخلال العميل بأي بند من بنود هذا العقد يعتبرُ العقدُ منتهيًا ومفسوخًا من تلقاء نفسه ومستحقَّ الأداءِ فورًا.

ومن المتفق عليه أيضًا في شروط هذا العقد أنه يحقُّ للعميل في أي وقت سدادُ جزء أو كل قيمة الأوراق المالية محل العقد وإنهاؤه، وكلُّ ذلك يخضعُ للقواعدِ التي تضعها الهيئة العامة لسوق المال في تحديد الشركات العاملة في البورصة التي يُتاحُ لها عَمَلُ هذا النوع من التمويل، وكذا تحديد العملاء الذين يصلحُ لهم عمل هذا التمويل، كما تحدد الأسهم التي تصلح ضمانةً للتمويل بعقد الشراء بالهامش (المارجن)، والأسهم التي يصلح شراؤها وإتاحة التمويل لها، كما تقوم الهيئة العامة لسوق المال بالإشراف على قواعدِ التعامُل في البورصة المصريَّة، فما حكم هذا العقد؟

الجواب: الأستاذ الدكتور/ شوقي إبراهيم علام

عقد تمويل تداول شراء الأوراق المالية بالهامش السابق بيانه هو صورة من صور التمويل، والتمويل؛ كما عرَّفه د. عبد الغفار حنفي في كتاب “أساسيات التمويل والإدارة المالية” (ص: 117، ط. دار الجامعة الجديدة للنشر) عبارة عن: [مجموعة الوسائل والأساليب والأدوات التي نستخدمها لإدارة المشروع للحصول على الأموال اللازمة لتغطية نشاطاتها الاستثمارية والتجارية] اهــ.

وهذا العقد يتم بين مُتَعَاقِدَيْن هما العميل طالب التمويل والشركة الممولة العاملة في مجال الوساطة في الأوراق المالية؛ حيث يكون محل التعاقد تمويل شراء أوراق مالية عن طريق الهامش.

وهو عقد جديد من العقود غير المسماة في الفقه الموروث، كما أنه عقد صحيح لخلوه من مبطلات العقود المفسدة للرضا والإرادة كالجهالة والغرر والغبن والاستغلال والإكراه.

بل يتوفر فيه الأصل العام الذي تقبل به العقود والمعاملات ولو كانت مستحدثة من:

1- عدم مخالفة هذا العقد لنصٍّ قطعيٍّ.

وهذا ما نلاحظ تقريره من الإمام الشاطبي في قوله في “الموافقات” (1/ 285، ط. دار ابن عفان): [وما كان من العاديات يُكْتَفَى فيه بعدم المنافاة؛ لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه] اهــ.

2- تحقيق المعاملة لمصلحة المتعاقدين.

3- الحفاظ على اتزان السوق.

ولا يضرُّ في هذه المعاملة اشتمالها على خطر؛ لأن التجارة قرينة المخاطرة وخاصة في الأسواق التي تكون سرعة التداول فيها عالية كأسواق رأس المال.

والذي عليه الفتوى أنه يجوز إحداثُ عقودٍ جديدةٍ مِن العقود غير المسمَّاة في الفقه الموروث ما دامت خاليةً مِن الموانع الشرعية ومحققةً لمصالحِ أطرافها؛ ويدلُّ على ذلك من القرآن الكريم:

قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

ووجه الدلالة يتضح جليًّا في كلام الإمام الشافعي الذي هو أصل في هذا الباب؛ حيث قال في “الأم” (3/ 3، ط. دار المعرفة بيروت): [فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المُتَبَايِعَيْن الجَائِزَيِ الأمر فيما تَبَايَعَا إلا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله] اهـ.

ويدلُّ على ذلك من السُّنَّة ما صحَّحه الترمذي عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «الصُّلحُ جَائِزٌ بَينَ المُسلِمِينَ، إِلَّا صُلحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَو أَحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِم، إِلَّا شَرطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَو أَحَلَّ حَرَامًا».

ووجه الدلالة من الحديث أنه أطلق جواز الصلح ثم استثنى، وهذا الإطلاق يدل على أن الأصل فيما يكون صلحًا الجواز، كما أطلق جواز الاشتراط ثم استثنى، مما يدل على أن الأصل في الاشتراط بين المسلمين في أي معاملة من المعاملات الجواز مطلقًا إلا ما خالف الشرع. وهذا ينطبقُ على كل صور الشروط، فيحكم على ما كان فيها من شروط بالجواز ما لم تكن شروطًا جائرةً محرمةً، مما به يعلم صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان.

وممن رجَّح ذلك ابن تيمية؛ فقال في “الفتاوى الكبرى” (4/ 76-79، ط. دار الكتب العلمية): [(القاعدة الثالثة في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم) وما يصح منها ويفسد، ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدًّا، والذي يمكنُ ضبْطُه منها قولان:

أحدهما: أن يقال: الأصلُ في العقود والشروط فيها ونحو ذلك الحظْرُ، إلا ما ورد الشرع بإجازته..

القول الثاني: أن الأصلَ في العقود والشروط الجوازُ والصحَّة، ولا يحرم ويبطل منها إلا ما دلَّ على تحريمه وإبطاله نصٌّ، أو قياسٌ عند من يقول به، وأصول أحمد رضي الله عنه المنصوص عنه أكثرها تجري على هذا القول، ومالكٌ قريبٌ منه، لكنَّ أحمدَ أكثرُ تصحيحًا للشروط؛ فليس في الفقهاء الأربعة أكثرُ تصحيحًا للشروط منه. وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها تنبيه بدليل خاص من أثر أو قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعًا من الصحَّة، ولا يعارض ذلك بكونه شرطًا يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص، وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ما لم يجده عند غيره من الأئمَّة، فقال بذلك وبما في معناه قياسًا عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص فقد يضعفه أو يضعف دلالته، وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس، وقد يعتمد طائفة من أصحاب أحمد عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط] اهــ.

ولا يستقيم تكييف هذا العقد على أنه عقد قرض؛ لأنه ليس عقد إرفاق ومعونة كما هو الحال في عقد القرض، بل هو عقد معاوضة يقصد به طرفاه الربح والعائد منه، ومن الأصول المرعية في النظر الفقهي مراعاة مقصد المتعاقدين عند التعاقد في تكييف المعاملات الفقهية باعتباره محددًا أساسيًّا لمضمون العقد.

قال الإمام الماوردي في “الحاوي الكبير” (5/ 358، ط. دار الكتب العلمية): [القرضُ عقد إرفاق وتوسعة لا يُراعى فيه ما يراعى في عقود المعاوضة] اهــ.

وعقد تمويل شراء أوراق مالية بالهامش يُكيَّف شرعًا على أنه عقدٌ من العقود الجائزة؛ أي إن لكل طرف من أطرافه الحقَّ في إنهاء العقد متى شاء، كما يتبين ذلك من البند الرابع في العقد؛ لأن كلًّا من شركة الوساطة العاملة في مجال بيع وشراء الأوراق المالية والعميل له حقُّ إنهاء العقد في أي وقت، والعقد اللازم لا يملكُ أحدُ العاقدين فسْخَه وإنهاءه إلا برضا العاقد الآخر، أما العقدُ الجائز فهو العقد الذي يجوزُ لأحد العاقدين فسْخُه بغير رضا العاقد الآخر، لكنْ بشرط إخطاره وإعلامه بإنهائه حتى لا يُوقِع عليه ضررًا، وقد نصَّ على ذلك فقهاءُ المذاهبِ الأربعة:

فقال الإمام الكاساني الحنفي في “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (6/ 77، ط. دار الكتب العلمية): [عقد جائز غير لازم حتى ينفرد كل واحد منهما بالفسخ، إلا أن من شرط جواز الفسخ أن يكونَ بحضرة صاحبه؛ أي: بعلمه، حتى لو فسخ بمحضر من صاحبه جاز الفسخ، وكذا لو كان صاحبه غائبًا وعلم بالفسخ] اهــ.

وقال الإمام ابن رشد المالكي في “البيان والتحصيل” (4/ 417، ط. دار الغرب الإسلامي): [العقود الجائزة لكل واحد من المشاركين أن ينفصلَ عن صاحبه متى ما أراد، ولا يلزمه البقاء معه] اهــ.

وقال الإمام العمـراني الشافعي في “البيان في مذهب الإمام الشافعي” (7/ 197، ط. دار المنهاج): [العقود الجائزة لكل واحد منهما أن يفسخه متى شاء] اهــ.

وقال الشيخ ابن قدامة الحنبلي في “المغني” (5/ 18، ط. مكتبة القاهرة): [العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكين، وجنونه، والحجر عليه للسَّفه، وبالفسخ من أحدهما] اهــ.

ولا يقدحُ في صحَّة هذا العقد ما ورد في البند السادس في فقرته الثانية ما نصه: “يقر العميل بعدم أحقيته في التصرُّف بأي نوع من أنواع التصرُّف في الأوراق المالية محل الشراء بالهامش أو تلك المقدمة كضمان والتي ستكون محفوظةً لدى أمين الحفظ إلا بعد موافقة الطرف الأول الكتابية على ذلك” اهـ، وذلك بناءً على تكييف العلاقة بين العميل والشركة في هذه الجزئية على أنها علاقة رهن نظير المبالغ المالية التي تم تمويل العميل بها؛ حيث إن الشركة تعطي هذه المبالغَ المالية للعميل نظير ما يرهنه لديها من وثائقَ ماليةٍ تحفظ لدى أمين الحفظ لضمان التزام العميل برد أموالها، وذلك ما عليه أقوال الفقهاء المعتبرة.

قال الإمام ابن عابدين الحنفي في “حاشية ابن عابدين” (6/ 482، ط. دار الفكر): [(لا انتفاع به مطلقًا) -أي الرهن- لا باستخدام، ولا سكنى، ولا لبس، ولا إجارة، ولا إعارة، سواء كان من مرتهن أو راهن (إلا بإذن) كل للآخر] اهــ.

وجاء في “المدونة” (4/ 476، ط. دار الكتب العلمية): [قلت: أرأيت إن ارتهنت قناة أو بئرًا وإلى جنبها أرض فيها زرع لصاحب البئر، فأراد أن يسقيَ، فمنعه المرتهن من ذلك، أيكون له ذلك أم لا؟ قال: نعم، ذلك للمرتهن لأنه إن لم يكن له أن يمنعَه من ذلك، فليس هذا الرهن مقبوضًا] اهــ.

وقال الشيخ ابن قدامة في “المغني” (4/ 293، ط. مكتبة القاهرة): [وليس للراهن الانتفاعُ بالرهن باستخدام، ولا وطء، ولا سكنى، ولا غير ذلك، ولا يملك التصرُّف فيه، بإجارة ولا إعارة ولا غيرهما بغير رضا المرتهن] اهــ.

وبهذا أخذ القانون المدني المصري رقم 123 لسنة 1948م في مسألة الشرط المانع من التصرف لمصلحة الغير؛ حيث نصَّت المادة (823) على أنه: [إذا تضمن العقد أو الوصية شرطًا يقضي بمنع التصرُّف في مال، فلا يصحُّ هذا الشرط ما لم يكن مبنيًّا على باعثٍ مشروع، ومقصورًا على مدَّة معقولة، ويكون الباعث مشروعًا متى كان المراد بالمنع من التصرف حماية مصلحة مشروعة للمتصرف أو للمتصرف إليه أو للغير، والمدَّة المعقولة يجوزُ أن تستغرقَ مدى حياة المتصرف، أو المتصرف إليه، أو الغير] اهـ.

ولا صحَّة أيضًا لما يُتَوهم من أن عقد بيع وشراء أوراق مالية بالهامش من عقود الإذعان، ومعنى الإذعان: الطاعة والانقياد؛ قال العلامة ابن منظور في “لسان العرب” (13/ 172، ط. دار صادر): [والإذعان في اللغة الإسراع مع الطاعة.. والإذعان: الانقياد.. وأذعن له: أي خضع وذل] اهـ.

وقد عرَّف الدكتور عبد الرزاق السنهوري عقد الإذعان في كتابه “نظرية العقد” (1/ 279، ط. منشورات الحلبي الحقوقية في بيروت) بأنه: [العقد الذي يكون فيه القبول مجرد إذعان لما يمليه الموجب] اهـ.

ومعنى هذا أنَّ العقدَ عبارةٌ عن نموذجٍ نَمَطِيٍّ تُعِدُّه الشركة التي هي أحد طرفَي العلاقة التعاقدية بصورة منفردة وتقوم بعرضه على الطرف الآخر -العميل- الذي ليس له إلا الموافقة عليه كما هو أو رفضه، دون أن يكون له حقُّ تغيير البنود أو الشروط والأحكام التي يتضمنها العقد، لهذا وصف هذا العقد بالإذعان؛ فلا يصحُّ لكونه غير مبنيٍّ على التراضي بين طرفيه.

ويُرَدُّ ذلك بأن الحكم بوجود الإذعان لا يمكن التوصُّل إليه بمجرَّد النظر في صيغة وشروط التعاقد؛ بل لا بد من النظر والأخْذ بعين الاعتبار هيكل السوق الذي يُستخدم فيه ذلك العقد. فإذا كانت السوق تنافسية لا يسيطر على العرض أو الطلب فيها شركة واحدة فقط بل عدد من الشركات، فإن هذا العقد لا يمكن وصفه بأنه عقد إذعان حتى لو كان لا يتاح لأحد طرفيه التفاوض على شروطه؛ لأن العميل القابل لهذا العقد بشروطه متاح له خيارات أخرى، حتى لو كان الطرف الأقوى -الشركة- هو الذي قام بصياغة العقد بنفسه وعرضه على العميل القابل به دون تفاوض، فالقضية ترجعُ إلى وجود الاحتكار، فإذا وُجِدَ وُجِدَت عقود الإذعان، أما إذا كانت السوق تنافسيةً بوجود عدد كافٍ من الشركات، فإن ذلك يعني حرية التعاقد ويتحقق معه الرضا بصفة مباشرة عن طريق التفاوض بين الطرفين، فإذا لم يوجد ذلك حصل الرضا بصفة غير مباشرة عن طريق ما تحدثه قوى العرض والطلب، وهذا هو واقع هذا العقد؛ حيث إن عدد الشركات العاملة في البورصة المصرية يصل إلى 150 شركة تقريبًا، وقد صرَّحت الهيئة العامة لسوق المال بالتعامل بهذا النوع من التمويل لعدد 46 شركة، مما يُتيحُ للعميل خياراتٍ متعددةً تناسب ما يرضيه، وهذه الشركات تقوم الهيئة بالنظر إلى أنشطتها وتقييم أعمالها وزيادتها والنقص منها بناءً على معاييرَ منضبطةٍ تضعُها الهيئةُ وتعمل على وفقها هذه الشركات كما استفدنا ذلك من الخبراء والمتخصصين المعنيين بوضْع الضوابطِ القانونية.

ثم إن إذعان العميل لشروط الشركة ليس دليلًا على انعدام الرضا، يدلُّ على ذلك ما ذكره الفقهاء من أن المكره إذا تصرَّف بعد التعاقد تصرُّفًا لم يكن فيه مكرهًا، فقد حصل منه الرضا.

قال الإمام السرخسي في “المبسوط” (24/ 81، ط. دار المعرفة): [ولو أكرههما على البيع والشراء، ولم يذكر لهما قبضًا، فلما تبايعا لم يتقابضا حتى فارقا الذي أكرههما، ثم تقابضا على ذلك البيع، فهذا رضًا منهما بالبيع، وإجازةٌ له؛ لأن البيع مع الإكراه كان منعقدًا، ولم يكن نافذًا جائزًا، لانعدام الرضا منهما، فإذا وجد دليل الرضا نزل ذلك منزلة التصريح بالرضا بالإجازة طوعًا] اهـ.

وقال الإمام النووي في “المجموع شرح المهذب” (9/ 160-161، ط. دار الفكر): [الْمُصَادَرُ من جهة السلطان وغيرِه ممن يظْلِمُه بطَلَبِ مالٍ وقهْرِه على إحضاره إذا باع ماله ليدفعه إليه للضرورة والأذى الذي يناله هل يصحُّ بيْعُه؟ فيه وجهان مشهوران حكاهما إمام الحرمين والغزالي وآخرون.. (أحدهما) لا يصحُّ كالمكره (وأصحهما) يصحُّ.. لأنه لا إكراهَ على نفس البيع، ومقصود الظالم تحصيل المال من أي جهة] اهـ.

فلا يغير في الحكم كون العميل القابل للتعاقد مضطرًّا إليه إذا كان اضطراره من حيث الحاجة إلى التعاقد وليس الإكراه عليه بالقوة، فضلًا عن أن العميل في حالة بيع وشراء الأوراق المالية يُقبل بكامل الرضا على التعاقد مع الشركة العاملة في هذا المجال لتمويله دون اضطرار أو إكراه، وذلك لمصلحته التي هي مضاعفة حجم استثماراته وتعاملاته في البورصة.

ووجود غطاء قانوني لهذا الكيان في الدولة المصرية عند النزاع يجعله ينضبطُ بمعاييرِ الجودة التجارية، وينضبط بالقوانين التي تنظم حركة السوق، مما يفضي إلى عدم وجود ظلم لأحد طرفيه؛ حيث نص البند الثاني عشر من العقد على أنه: [في حالة حدوث أي نزاع أو خلاف بين الطرفين بسبب تنفيذ هذا العقد يكون الاختصاص للفصل فيه للقضاء أو التحكيم الاختياري، وفي جميع الأحوال يرسل الطرف الأول صورةً من حكم المحكمة أو قرار التحكيم الخاص بحسم النزاع أو الخلاف إلى الهيئة العامة لسوق المال] اهــ.

فالقضاء هنا هو الملجأ للمتخاصمين عند النزاع، ووجود الحماية القانونية للمتعاملين بهذه المعاملة يجعلهم يدخلون فيها مطمئنين لوجود سندٍ قانوني يُـمَكِّنُهم من الرجوع على الشركة عند وقوع المخالفة منها لردِّ حقهم ودرء المفسدة عنهم.

قال العلَّامة العز بن عبد السلام رحمه الله في “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” (2/ 43، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [الغرض من نصب القضاة إنصاف المظلومين من الظالمين، وتوفير الحقوق على المستحقين، والنظر لمن يتعذر نظره لنفسه كالصبيان والمجانين والمبذرين والغائبين، فلذلك كان سلوك أقرب الطرق في القضاء واجبًا على الفور؛ لما فيه من إيصال الحقوق إلى المستحقين، ودرء المفسدة عن الظالمين والمبطلين، وقد تقدَّم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الفور، وأحد الخصمين ها هنا ظالم أو مبطل وتجب إزالة الظلم والباطل على الفور وإن لم يكن آثمًا بجهله؛ لأنَّ الغرضَ إنما هو دفْع المفاسدِ سواء كان مرتكبها آثمًا أو غير آثم] اهـ.

ولا صحَّة كذلك لما قد يتصوره البعض من اشتمال هذا العقد على الغرر للعبارة المذكورة في المرفق الملحق بالعقد والتي تنصُّ على أن “النظام يتسم بقدر من المخاطرِ والتقلُّبات غير المتوقعة”، وهذا مردود؛ لأن العقد مضمون من البورصة المصرية وخاضعٌ لرقابتها ولقوانينِ الدولة والهيئة العامة لسوق المال كما بيَّنَّا سابقًا، وأيضًا فإنه لا يتاح لأي شخص التعاملُ به، بل لا بدَّ من توافر شروط معينة في العميل المقبل على هذا التعامل؛ كأن يكون صاحبَ ملاءةٍ ماليةٍ، وعنده قدرةٌ على المضاربة، وهناك شروطٌ تضعها إدارة البورصة وتعتمدها هيئة سوق المال خاصة بالأوراق المالية محل التمويل؛ بحيث تكون أكثرَ ضمانًا من غيرها، وشروط خاصة بالشركات التي يحقُّ لها التعاملُ بهذا النوع من التمويلات، كما أن هذا العقد واضحٌ تمامًا لطرفَيْه، وجائز الخروج منه.

ولا يقدح في صحَّة العقدِ اشتراطُ ربح أو تحديده على أحد صورتين كما سبق بيانه، لأن هذا يعرف بتكلفة المال، وكونه محددًا أدْعَى لجوازه؛ لما يترتَّب عليه من انتفاء النزاع، ولم يرد نصٌّ صريح يمنعه، لا في كتاب الله، ولا في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما دام لا يخالف نصًّا من كتاب أو سُنة فلا مانعَ منه شرعًا.

وهذا ما أقرَّه مجمع البحوث الإسلامية بجلسته الثالثة في دورته التاسعة والثلاثين يوم الخميس 23 من رمضان سنة 1423هـ الموافق 28 من نوفمبر سنة 2002م، وهذا نص الفتوى: [الذين يتعاملون مع بنك.. ويقومون بتقديم أموالهم ومدخراتهم إلى البنك ليكون وكيلًا عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة مقابلَ ربح يصرف لهم ويحدد مقدمًا في مدد مع المتعاملين معه عليها.. هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شُبهةَ فيها؛ لأنه لم يَرِدْ نصٌّ في كتاب الله أو من السُّنة النبوية يمنعُ هذه المعاملة التي يتمُّ فيها تحديدُ الربح أو العائد مقدمًا، ما دام الطرفانِ يرتضيان هذا النوع من المعاملة] اهـ.

هذا ونوصي القائمين على هذه العقود بعدَّة أمور:

أولًا: ينبغي أن يكون العميل المقبِل على هذا النوع من التمويل بالإضافة لملاءته ماليًّا أن يكون مُلمًّا بالقواعدِ الفنية المتبعة للتعاملات بالبورصة المصرية، وأن يكون إقبالُه هذا بعدَ دراسةٍ جيدةٍ للسوق وأحواله وبيانات الأسعار والتحليلات المالية التي تعينه على تحقيق بغيته من الربح.

ثانيًا: وأن يكون جادًّا في طَلَب الاستثمار ولا يقصد التلاعبَ بالسوق وإحداث أضرار لأسعار الأسهم المتداولة في البورصة المصرية.

ثالثًا: نوصي بتعديل بعض البنود في العقد كالبند الرابع الذي جاء فيه: “ويقر العميل بأنه يحقُّ للطرف الأول كنائب اتفاقي له أن يقومَ ببيع كل أو جزء من الأوراق المالية المحفوظة لدى أمين الحفظ وفقًا لما يراه وبأي سعر من أسعار السوق المتاحة لسداد كامل مديونيته؛ وذلك فورَ انتهاء المدة المذكورة سلفًا دون قيامِه بسداد المديونية المستحقة عليه لصالح الطرف الأول”، فإنه لا بدَّ للشركة أن تبيعَ بأعلى سعر؛ لأنها وكيلٌ عن البائع، والوكيلُ مؤتمنٌ، فلا بد أن تراعي الشركة في جميع تصرفاتها مصلحة الموكل، لا مصلحة نفسها فقط.

قال الإمام السرخسي في “المبسوط” (12/ 202، ط. دار المعرفة): [الوكيل يقوم مقامَ الموكل في تحصيل مقصوده] اهــ.

وقال الإمام ابن عبد البر في “الكافي في فقه أهل المدينة” (2/ 786، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [وليس للوكيل أن يوكل إلا أن يجعل ذلك إليه موكله، ولا يجوز له أن يضعَ من ثمن ما باعه ولا ينظر به ولا يقيل من بيعه، ولا يجوز له من التصرُّف إلا ما ذكر له في عقد الوكالة.. فإذا بان تعَدِّيه وإفسادُه ضَمِنَ، وما خالف فيه الوكيل المفوض إليه وغيره مما أمر به فهو متعَدٍّ، ولموكله تضمينُه إن شاء ذلك] اهــ.

رابعًا: أن يكون هناك دعمٌ من صندوق حماية المستثمر من المخاطرِ التي ربما يُتَعرض لها في البورصة، وأن يكون هناك مزيد من الرقابة المالية من الأجهزة المعنية؛ بُغية حماية المتعاملين بالمارجن وعدم تعرُّضهم للخسارة.

وبناءً على ذلك: فالعقد الوارد بالسؤال، وهو “عقد توفير تمويل شراء أوراق مالية بالهامش”، يُكَيَّف شرعًا على أنه عقدُ تمويلٍ بين شركة الوساطة العاملة في البورصة المصرية والعميل، وهو من العقود الجائزة شرعًا؛ لما استقرت عليه الفتوى من أنه يجوزُ إحداثُ عقودٍ جديدةٍ مِن العقود غير المسمَّاة في الفقه الموروث، ما دامت خاليةً مِن الغرر والضرر، محققةً لمصالح أطرافها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اظهر المزيد

زينب أحمد

مدير التسويق في مؤسسة الضحى ومدير تحرير في بوابة الضحى ومشرف على إصدارات مؤسسة الضحى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى