شارع الثقافة

«معشُورا».. قصة قصيرة بقلم الإعلامي الإريتري محجوب حامد

عدًلت الحجر المائل في الأثافي وهي تُثبت الـ(شِنِكيباي)* بالقرب منه، الذرة الرفيعة المكدّسة داخل القِدر على النار يجف ماؤها ويتكاثف بخارها إلي أعلى.

تراقب ذلك بشغفٍ، ثم تضيف الماء وبعضاً من شرائح اللحم المجفف الذي احتفظت به لهذه المناسبة المباركة من أُضحية العيد حتى يكون لطبق (البليلة) مذاق ممزوج اليُمن بعيد الأضحى.

القرية تُهَيِّئ دروبها المتعرّجة نحو الجبل لهذا العرف المُعتاد سنوياً، وتزدان بجدائل السعف الرطب المعلّق أعلي البيوت في الفضاءِ الرحيب.

النارالمشتعلة تحت الأثافي أمام الأكواخ المتراصة بنظامٍ رهيب تجاه القِبلة تشّكل لوحة جميلة عند الغروب، والنساء في أزيائهُنّ المزركشة يشعلن بهمةٍ ما في الدواخل بقلوب راضية ووجوه بشوشة وهُنّ يضرِبن علي الطبولِ في حبورٍ، تأتي الإيقاعات متناغمة والأصوات الرخيمة تفيض وتنحسر بذلك النغم الكورالي البهيج:

– ياربِ عفُو دينا سَّلِمنا ونجينا

تاكو تكينا عد ربّي أتَينَا*

وضعت الطبل جانباً ثم سحبت أعواد الخشب المشتعلة وأخمدتها تحت الرماد لتضع على النار الهادئة أبريق القهوة وهي تُقسم (البليلة) لمجموعات على طبق كبير مصنوع من السعف لتقوم بتوزيعها على الجيران، وتستقبل في ذات الوقت الأطباق التي تأتيها منهم، إحتفاءاً بليلة عاشوراء.

جلست هي وابنها الصغير، أمامهما عدد من الأطباق لوجبة مُعدة بطريقة واحدة، مع بعض الاختلاف في نوع الحبوب، الطقس الذي يضمخ الفضاء بالابتهالات ورائحة (البليلة) المتخالطة مع البخور العدني، يحتّم عليها أن تتناول من كل طبق لقيمات هي وابنها، طلباً للبركة التي لا تعلم هي في أيّ لقمة تكون.

يؤوب زوجها من المرعى، بُعيد الغروب وهو يهش على أغنامه، يجلس معهما، تتحلق الأغنام حولهم ورائحة الروث والوبر تغطي أرجاء المكان.

تصُب له فنجان من القهوة وتقدم له طبق متنوّع من الأطباق التي أمامها على قصعة صغيرة وهي تقول:

– أبو آمنة، ادعوا لنا بالخير والمعروف.

ثم تضيف:

– لا تنسى آمنة وزوجها من الدعاء حتي يعودا إلينا بالسلامة.

تتذكر حفنة الذُرة التي اقتطعتها بعناية عن مقدار(البليلة)  ووضعتها جانبا بالقرب من الأثافي لتحتفظ بها إلي حين عودتهما من السفر لتعمل على إحياء المناسبة من جديد كما يفعل أهل القرية دائما في عاشوراء عند غياب أبنائهم.

يرفع الرجل كفيه أعلى هامته وهو يرتّل  بصوته المبحوح دعاءا طويلا، وهي تردد خلفه:

آمين يا الله

آمين يا الله

السماء تكتحل بكواكبها الصغيرة والقمر يقارب شكله على الاكتمال، ينشر سناه وهو يظهر تارة ويختفي تارة أخري بين الغيوم ، ليجسّد العاشر من شهر محرم في أبهى تجلياته المقدسة ويمنح القرية ذلك النور الباهر.

 لجنة المسجد تستقبل الرجال قبل صلاة العشاء في السهل المنبسط أسفل الجبل بالقرب من المسجد لاستلام زكاة الأموال التي حال عليها الحول.

الليل يزحف نحو الأفق، القمر يتوارى خلف جبل كبير تستند عليه الأكواخ المتراصة ووهج النيران الموقدة أمام الأكواخ يخبو شيئا فشيئا في هدوء شديد.

الأطفال والصبية يخرجون في أفواج وجماعات، يتجمهرون في الباحة الوحيدة الواقعة وسط القرية المحاطة بأشجار السنط وهي باحة مخصصة لصلاة العيد ومناسبات الأفراح والإحتفال بمواسم الحصاد.

– “عاشوراء

عاشوراء

أهدينا أمانينا الجميلة

وأطلي أظافرنا بألوان السماء”

ترتفع أصوات الصبية والأطفال وهم يهتفون في فرحٍ يتراشقون بثمار(النبق)، وتتعالى عقيرتهم بالضحك والغناء.

يغفو الرجل علي سجادته متوسداً يده اليسري وفنجان القهوة أمامه يشع بريقه مع ضوء القمر فيبدو لون القهوة أقرب إلي لون السماء اللازودي الذي يتشكل بفعل تمرغ القمر في الغيوم الداكنة، يتعالى شخيره المتقطع وهو يتمتم:

– أم آمنة، أين محمد؟

– مع الصبية في مصلي العيد.

– لا حول ولا قوة إلا بالله!!

يقوم مذعوراً من سجادته كالملدوغ ، يجري نحو مصلى العيد وصوته المُسوّر بالرجاء يسبقه إلى هناك:

محمد، محمد، محمد!!

ترتعب المرأة في سكونها وصوت العرًاف يحاصر خطوها بالضجيج:

– حمدا لله علي سلامته ، يجب أن يواظب علي تناول هذا المشروب صباحاً ومساء طيلة شهر كامل، وأن لا تفارق هذه التميمة صدره، وأن لا يذهب مع الأطفال للإحتفال بليلة عاشوراء. لاتنسوا ذلك فهو سوف يموت إن ذهب هناك.

تنهمر الدموع عن مقلتيها وهي تردد:

– عاشوارء، يا فأل الخير يا معطاء، رد إليّ ابني سالماً،

عاشوراء، أنت من وهبنيً محمد بعد سنوات من الإنتظار.

تقطع بعض الأغضان من شجرة السدر الشامخة أمام الكوخ وتجعلها حزمة واحدة مع الـ (ِشنِكيباي ) الذي يتمايل بالقرب من حجرالأثافي المائل.

بعض الصبية متحلقين حول محمد وهو مغشياً عليه ممدداً علي الأرض يخفي خلف إبتسامته الباهتة رغوة بيضاء تتسرب من تحت أسنانه.

جثى الرجل علي ركبتيه وهو يرتجف، حمل إبنه بين يديه ثم نهض يجري نحو الكوخ.

الصبية والأطفال يهرولون خلفه وقد أسكت المشهد أصواتهم الشجيّة. تعثر الرجل بحجر تحت قدمه اليمني وسقط علي الأرض، أفاق فجأة من نومه والعرق يتصبب من على جبينه بغزارة ، مستلقياً على سجادته، وقد ضرب بيده اليمني فنجان القهوة، وأصوات الصبية والأطفال  يملأ الفضاء:

– “عاشوراء

عاشوراء

أهدينا أمانينا الجميلة

وأطلي أظافرنا بألوان السماء”.

يسأل بصوت متحشرج:

–  أم آمنة أين محمد؟

– نائم داخل الكوخ.

سحب نفساً عميقاً إلى رئتيه، ثم أخرجه بنزقٍ وهو يقول:

– أستغفر الله العظيم، اللهم أجعله خيراً.

«أندلسية العينين» إطلالة شعرية خاصة للأديب والإعلامي الإريتري «محجوب حامد» - 4

 

 

 

 

                   

                                                              محجوب حامد آدم

إعلامي، شاعر وقاص من إريتريا

كرن –  نوفمبر 2018

 

– هوامش:

معشُورا: عاشوراء، بلغة التجريت.

شِنِكيباي: تعني بلغة (التجريت) حزمة من جدائل السعف تُربط ببعضها جيدا، وهي واحدة من الدلالات المعبرة عن الفرح.

تاكو تكينا عد ربّي أتَينَا: ابتهال بلغة (التجريت) تردده النساء عادة للتقرب إلى الله بالصدقاتِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى