صندوق الدنيامساحة للاختلاف

المهندس طارق عيد يكتب: «ما لم تقرضه الفئران»

يقول الروائي (بهاء طاهر) في مجموعته القصصية (ذهبت إلى شلال): “ربما يبعث الضياع صورة الجمال القديم الذي كانت العين غافلة عنه والأصل قائم”..

منذ أيام فتشت بداخل المرآب (الجراج) عن بعض القطع المفقودة منذ انتقالي إلى البيت الجديد، وكالعادة اكتشفت أن القطع المنشودة تم انتشالها من خلال العُمال “ولاد الحلال” ولم يتركوا لي سوى ما لا قيمة له من وجهة نظرهم، وبين ما تبقى من كرمهم عثرت على مجموعة رسومات وأعمال يدوية للأطفال كنت قد احتفظت بها لنفسي منذ أن تركت أول مهنة اشتغلت بها.

كان أول ما اشتغلت به في حياتي هو مهنة المعلم وتحديداً “مدرس تربية فنية” أو ما يتعارف عليه في مدارس الخدمات الجيدة بالـ ” Art Teacher”، وإذا أردت توصيفاً حقيقياً فقد كنت أعمل “مدرس رسم وصيانة وترميمات ومنظم معارض فنية وأنشطة فنية وثقافية وأحياناً مدرس لأي شيء لحين العثور على من يقوم بتدريسه”.

لم أبغ حينها أن أعمل وكنت أود لو أنام يومياً إلى ما بعد العصر مثل بعض نجوم التمثيل الذين كانوا يتفاخرون بتناول فنجان القهوة الصباحي قبيل غروب الشمس، وكان تأخر إنهاء إجراءات الحصول على شهادة الخدمة العسكرية وصعوبة العمل بدونها حجة مثالية للمكوث أمام اللعبة الاستراتيجية المستفزة (رد آلارت – القيادة والإخضاع)، ولكن والدي أفسد كل مخططاتي وأخضعني للذهاب إلى عملٍ لم يكن في الحسبان، بل وأتى لي بالوظيفة ليغلق كل نوافذ الأمل في الراحة والمرح  بعد انقضاء مشروع التخرج وستة أعوام دراسية أمضيتها بالكلية.

كنت أستيقظ يومياً في السادسة صباحاً لأترنح نصف ساعة بين جدران البيت حتى أدرك مقبض باب الخروج، ثم أسير في برد الصباح نصف ساعة أخرى حتى أصل إلى بوابة المدرسة، وفي الطريق كنت أتوقف قليلاً لأشتري “سندوتشات” من عربة الفول و هم بمثابة “صوابع ديناميت” يتم تفجيرهم يوميا داخل أحشائي لتنطلق بهم توربينات بقية الأعضاء.

لم تكن المدرسة لأصحاب المال الوفير، ولم تكن أيضاً من مدارس الفقراء، وكانت تتبع منظومة يطلق عليها (القوميات)، ومن الإسم يستطيع المرء أن يستنتج أن نشأتها لها صلة بالقومية العربية وعصر الزعيم الراحل (جمال عبدالناصر)، ويبدو أن شيئاً لم يتطور فيها منذ هذا العصر، وخصوصا المرتبات والتي أعتقد أن من حدد قيمتها هو “الباشا” (سليمان نجيب) للأستاذ “حمام” (نجيب الريحاني) في فيلم “غزل البنات”.

أمضيت في تلك المدرسة حوالي ثمانية أشهر، الأربعة الأولى كانوا تحت شعار “أنا مهندس ديكور ومنتظر شهادة لم يصبه الدور”، أما الأربعة شهور الأخيرة وبعد صدور شهادة إرجاء الخدمة العسكرية، فكانوا لغزاً حيرني، حيث أنني لم أتقدم باستقالتي فور استلام الشهادة رغم عدم قناعتي بما أفعله أو العائد المادي منه، بل ومضيت في عملي أستيقظ مبكراً وأتحمل كل الضغوط حتى نهاية آخر يوم في العام الدراسي.

توطدت علاقتي بالتلاميذ وأحببت براءة الأطفال في السنوات الأولى من المرحلة الإبتدائية، وعشقت إبداع الطفل وبناء شخصيته وتشكُل أفكاره في السنوات التي تسبق المرحلة الإعدادية، وصرت مولعاً بأفكارهم وطموحهم غير المحدود قبل المرحلة الثانوية، فنحيت المناهج الدراسية جانباً وبدأت في تدريس الفنون بالطريقة التي أراها مناسبة لهم ولي، حتى ابتكرت فصول تقوية مجانية لمادة الرسم بعد اليوم الدراسي لأعلمهم فيها استخدام أدوات وألوان جديدة، واستخدمت معمل الكمبيوتر للمدرسة في شرح كيفية إدراك وإحساس الألوان، ليس هذا فقط وإنما تطور الأمر للذهاب يوم الأجازة لتدريب التلاميذ من هواة التمثيل على كيفية أداء عرض مسرحي سيعرض في حفل نهاية العام ودون ابتغاء أي عائد مادي.

كان ما أفعله لا يروق لبعض المعلمين والموجهين أيضاً، ولكن شعوري الداخلي بعدم استمراري في هذا المكان جعلني أنخرط في أعمال تلائم قناعاتي، حتى أنني شاركت الأطفال وبعض المعلمين في مباراة لكرة القدم كان رأس حربة الفريق فيها من ذوي الإحتياجات الخاصة وكان يسدد الكرة بقدم واحدة، وكانت سعادته غامرة، ذكرتني بها فرحة الشاب (محمود عبده) على العكازين بعد هدف وصول منتخب مصر إلى كأس العالم بروسيا، لعلها كانت من أسعد لحظاته، مثلما كانت من أسعد لحظاتي أن أحصل على شهادة تقدير من الإدارة التعليمية قبل نهاية العام الدراسي ويتم ترشيحي للاستمرار كمدرس أول في العام الذي يليه.

انتهى العام الدراسي وتركت مهنة المعلم ولا أصدق الآن أنه قد مر خمسة عشر عامًا، فأصحاب هذه الرسومات التي بين يدي قد صاروا الآن بعمر الخامسة أو السادسة والعشرين!

صار الأطفال نساءً ورجالاً!!

“العيال كبرت”!!

وبالتأكيد إن مر أحدهم بجواري الآن فلن أعرفه ولن يعرفني..

فتقاسيم الوجوه تغيرت والذي بقى في الأذهان مجرد صور قديمة، والذي بقى منهم بين يدي الآن مجرد رسوم و دمية لم يرى فيهم السارق أي قيمة فتركهم بين “الكراكيب” لأكتشف ما لم تقرضه الفئران.

ما لم تقرضه الفئران جعلني أنسى ما كنت ذاهب للبحث عنه، فجلست على الأرض في غبار المرآب غير مكترث لسرقة القطع أو ضياعها، وتمعنت في الأوراق والرسوم لعلي أتذكر صانعيها وأتخيل ما أصبحوا عليه اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments Box

اظهر المزيد

المهندس طارق عيد

كاتب وروائي مصري .. مهندس ديكور و‏رئيس شعبة الديكور ومقرر لجنة ممارسة المهنة‏ ب‏نقابة الفنانين التشكيليين‏

مقالات ذات صلة

يسعدنا مشاركاتك

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: